انقراض اللغات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

09062010

مُساهمة 

انقراض اللغات




إن أوضح ميزة فارقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة هي اللغة، شجرة نسب الأمم، وقد عُرِّف الإنسانُ في حقبة تاريخية معينة بـ “الإنسان المفكّر، الحيوان الناطق” (ينظر مثلا: رسائل ابن رشد...، ص. 92). ومن قَبيل المستحيلات تصوّر إمكانية التعبير عن فكر معيّن بدقّة وشمولية وعمق دون اللجوء إلى الكلمات. تُعتبر اللغة أروع أداة اخترعها الإنسان قبل مليون سنة تقريبا. ويعرّف اللغويون عادة اللغة المنقرضة بأنها تلك التي يتكلمها أقل من ألف إنسان. تواجه معظم لغات العالم ضغطا شديدا بسبب الهيمنة التي تفرضها العولمة واللغات الأساسية مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية. 97% من سكان العالم يتكلمون 4% فقط من اللغات و96% منها لا يتكلمها سوى 3% من أهل الأرض.

يُقدَّر عدد اللغات في العالم بزهاء السبعة آلاف وهي موزّعة بالنسب التالية، في آسيا 32%, وفي إفريقيا 30%، وفي المحيط الهاديء 19%، وفي الأمريكيتين %15 وفي أوروبا 4%. تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيث عدد المتكلمين بها، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. قد يدهش القارىء العربي لغياب اللغة العربية من هذه اللائحة إذا علمنا بأن عدد العرب يصل اليوم إلى حوالي ثلاثمائة مليون، وعليه فمكان العربية يجب أن يتبوأ المرتبة الثالثة بعد الإنجليزية بواقع 322 مليون متحدّث وقبل الإسبانية بواقع 266 مليون ناطق بها. لا غرابةَ في الأمر إذا ما فكّر المرء قليلا بشأن المقصود من العربية، أهي العربية الحديثة الأدبية أم الكم الهائل من اللهجات العربية المحلية التي هي في الواقع لغة الأم بالنسبة للعرب. العربية الفصحى، كما هو معروف للجميع، ليست لغة أمّ طبيعية بالمعنى العادي لأي إنسان عربي. والإنسان العربي هو السوري والفلسطيني والمصري واليمني والعُماني إلخ. ولا ذكر للفظة ؛عربي في جوازات السفر أو الهويات الشخصية العربية، اللهم باستثناء هويات أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، قراية مليون وربع الملبون نسمة. هناك ألفاظ فضفاضة لا طائل تحتها مثل اللغة هي ديوان العرب في حين أن العرب مفرَّقون حتى في اللغة وما قد يوحّد بعضَهم لغويا هو ما يسمّى بلغة بين بين، اللغة الوسطى/المشتركة، لغة المثقفين ولا توجد إحصائيات دقيقة بالنسبة للمسيطرين على هذا النمط اللغوي العربي الذي هو بدوره لا يمكن تسميته بلغة أمّ.

ومما يجدر ذكرُه أن لنسبة ضئيلة جدا من اللغات، أقل من 7%، أي حوالي خمسمائة لغة، تمثيلا معينا على الشبكة العنكبوتية. تتصدر الانكليزية اللائحةَ بنسبة عالية جدا 68.4% فاليابانية فالألمانية فالصينية فالفرنسية فالإسبانية فالروسية فالبرتغالية فالإيطالية فالكورية الجنوبية. أما العربية فمرتبتها أقل من صفر فاصلة بعض الكسور وهذا بالرغم من أن نسبة عدد العرب تصل حوالي 4.5% من سكان العالم.

هناك أزمة ثقافية عالمية شبه خفية تتمثّل في أن نصف لغات العالم ستنقرض قبل انسلاخ هذا القرن. زد إلى ذلك أن 40% منها في تهديد حقيقي للاندثار لأن عدد الأولاد المتكلمين لتلك اللغات في تناقص كبير، مثال على ذلك، خمسون لغة في كاليفورنيا وبعض اللغات في إندونيسيا. يشار إلى أن المصطلح الأجنبي الذي يصف احتضار اللغة هو moribund المأخوذ من اللاتينية moribundus.
نعم تطوّر اللغات المستمر هو أمر حتمي وطبيعي وغالباً ما نجهل كنهه اجتماعيا ونفسيا، بل وبعضها ينقرض أحيانا، فهي، بمعنى ما، تشبّه بالكائنات الحية كحيوانات وطيور قد انقرضت كالديناصورات والضفادع أو النباتات إلا أنها في واقع الأمر هي عبارة عن منظومة أنماط في عقل المتكلم وسلوكه ولا وجود لجينات في اللغة. ففي البرازيل وحدها انقرضت قرابة 170 لغة بعد الاحتلال البرتغالي لها في القرن السادس عشر والذي استمر حتى العام 1822, أما في المكسيك فقد بلغ عدد الوفيات إلى 113 لغة وبقيت 12 لغةً. من هذه الكائنات الحية طائر الدودو، وهو بحجم الإوزّة، ينتمي إلى فصيلة الحَمام، إلا أنه لا يقوى على الطيران. وهذا الطائر ذو المنقار الكبير والقائمتين المتينتين وفي كل منهما أربع أصابع، كان قد انقرض عام 1681. كان موطنه في جزيرة ماوريتيوس على المحيط الهندي إلى الشرق من جزيرة مدغشقر. وتُستعمل لفظة الدودو، dodo في الإنجليزية بمعنى “الأحمق، المتخلّف عن العصر الحاضر، دقّة قديمة”.

المصير ذاته كان من نصيب لغات كثيرة في الماضي البعيد، مثل معظم اللغات السامية التي تعدّ بالعشرات، مثل الأكّادية بفرعيها الأشوري والبابلي والأوغريتية ، وجيعز، لغة الحبشة الكلاسيكية، والفينيقية والأمورية. وذاك المصير ينسحب أيضا على لغات في عصرنا هذا مثل بعض اللغات في شمال أوروبا المنتمية إلى الفصيلة الفنّو-أُچرية، Saame, Liivi, Vatja والإيدش الغربية. يصل عدد اللغات التي في رمقها الأخير إلى أكثرَ من أربعمائة وتتواجد في معظمها في منطقة المحيط الهادىء فأمريكا فإفريقيا فآسيا فأوروبا.

هناك من يعتقد أن اللغة اللاتينية قد ماتت لأنها غير محكية حاليا إلا أنها في الواقع لم تندثر بل تبدّلت بمرور الزمن وتغير اسمُها إلى لغات عدّة مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والسردينية، كلها متحدرة من اللاتينية الأمّ. ويحلو لبعض الناس تشبيه العربية الفصحى ولهجاتها الحديثة باللاتينية وبناتها. ومن اللغات التي في طور الاحتضار يمكن الإشارة إلى لغة Gaeli في جزيرة Cape Breton الواقعة إلى الشمال الشرقي من Nova Scotia التي كانت تكوّن إحدى الولايات الأربع في دومنيون كندا. يقدّر عدد الناطقين بهذه اللغة اليوم كلغة أم بحوالي خمسمائة من المسنّين في حين أن عددهم في مستهل القرن العشرين تراوح ما بين خمسين ألفا وخمسة وسبعين ألفا. يُشار إلى أنه في عام 1890 قدّم في البرلمان الكندي اقتراح يجعل لغة چايلي لغة رسمية ثالثة في البلاد. في ذلك الوقت تحدّث أكثرُ من ثلاثة أرباع سكّان جزيرة كيپ بريتون لغات اسكتلندية قديمة. هناك بعض الجامعات التي ما زالت تدرّس لغة الچايلي ضمن اللغات السلتية )Celtic( وهي مجموعة من اللغات الهندية-الأوروبية؛ أما في جزيرة كيپ بريتون فهناك أربع مدارس فقط تعلّم اللغة المذكورة فيها كمادّة اختيارية وهناك إمكانية لتعلمها على الشبكة العنكبوتية.
كيف من الممكن للغة ما أن تموت فالبشر لا ينقطعون عن الكلام، إلا أن السؤال الجوهري: الكلام بأية لغة؟ من عوامل اندثار اللغات حروب إبادة وكوارث طبيعية مثلما جرى لشعوب الكاريبي خلال عقد من السنين بعد كولومبس، إلا أن مثل هذه الحالات نادرة. وهكذا إثر اندحار العرب في الأندلس بعد قرابة ثمانية قرون انقرضت عربيتهم هناك؛ وفي جنوب السودان مثلا ظهرت عربية جوبا وفي جزيرة مالطا تحوّلت عربيتها إلى لغة أوروبية. وفي عصرنا الحاضر حلّت الإنجليزية محل الإيرلندية في شمال إيرلندا وتهدد الآن الولشية والجالية في أسكتلندا. عادة ما يكون سبب الموت ناتجا عن عوامل داخلية أو خارجية، احتلال لغة ما تدريجيا مكان لغة أخرى لأسباب اجتماعية أو سياسية. مثال على ذلك لغة كشوا في أمريكا الجنوبية التي يتحدثها نحو ثمانية ملايين نسمة وبالرغم من ذلك فهي مرشحة للانقراض بعد بضعة عقود لأن الأطفال يتكلمون الإسبانية عوضا عنها. عندما نتحدث عن موت لغة ما فذلك لا يعني أنها هرمت وذبلت وهوت أرضا جرّاء عمرها المديد، إذ أن الموت يحلّ بلغة حديثة العهد أيضا. إن اندثار اللغات في كل الحالات يحدث عندما تحتلّ لغة ما ذات هيبة ونفوذ سياسيا واجتماعيا واقتصاديا مكان لغة ثانية. ذلك الموت قد يكون، كما يذكر في مراجع معينة، إما انتحارا وإما قتلا، ويكون الأول عند تشابه اللغتين والثاني حين اختلافهما. في الحقيقة لا خط واضح المعالم دائما بين نمطي “الموت” هذين وأمامنا على المحكّ ظاهرة اجتماعية في الأساس.

في عام 1992 توفى آخرُ ناطق باللغة Ubykhin في تركيا وهو السيد Tefvik Esenc وقبل ذلك بثلاثة أعوام رحلت عن هذه الفانية آخر متكلمة باللغة Kamassin وهي Klavdia Potnikova وفي العام 1974 توفى Ned Maddrell آخر متحدث بلغة Manksin في الجزر البريطانية، وكذلك الأسترالي Arthur Bennett الذي كان يعرف إلى حدّ ما اللغة Mbabaram وكذلك الأمر بالنسبة للسيدة من ألاسكا، Marie Smith، ولغتها Eyakintiaani، ويذكر أن الناس في ألاسكا قد تحدثوا بعشرات اللغات واليوم يتعلم الأطفال اثنتين فقط. وهناك لغة باسم نوشو، لغة النساء الوحيدة في العالم، وكانت قد انقرضت مؤخرا إثر وفاة آخر ناطقة مسنّة بها في الصين، والطريف أن كل ما دُوّن بهذه اللغة كان مصيره الحرق تمشيا مع عقيدة تلك الجماعة. والملاحظ من هذا كله انعدام أي قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص وما مثّلوا من لغات وثقافات، كل واحد منهم انتمى إلى بقعة جغرافية بعيدة عن بلاد الآخر. بالرغم من كل هذا يمكن القول إن القاسم المشترك الوحيد الذي يجمعهم هو اندثار لغاتهم وثقافتهم بعد موتهم، انفراط الحلقة الأخيرة من السلسلة، ذهب الأصل ولم يخلّف فرعا. إن العبرة المستفادة من مثل هذه الاندثارات اللغوية المحزنة تتمثل في أن مصير اللغات الصغيرة على وجه هذه الكرة الأرضية في طريقه إلى الزوال في عصر العولمة هذا. لا بد من التنويه بميزة معينة بالنسبة للسيد توفيق إسنس وهي كثرة الأصوات الصامتة مقارنة بالصائتة، يصل عدد الأولى إلى 81 أما الثانية فإلى ثلاثة فقط. وقد وجدت في إفريقيا لغات ذات عدد أكبر من هذه الأصوات الصائتة. ومما يجدر ذكره أن نحو 80% من لغات هذه القارة هي شفوية فقط. وفي بعض الأقطار الإفريقية لغات كثيرة تتصارع، في ساحل العاج مثلا سبعون لغة وطنية تعيش حالة صراع كهذه. وفي المقابل هناك لغات تضمّ عددا ضئيلا جدا من الأصوات كما هي الحال في غينيا الجديدة حيث نجد لغة فيها خمس حركات وستّة أصوات صامتة، ومثل هذه اللغات معرضة للاندثار.

ويتوقع اندثار قرابة 50% من لغات العالم في غضون هذا القرن، الحادي والعشرين وعليه فباحثو اللغات في سباق مع عجلة الزمن المتسارعة لرصد صفات تلك اللغات وتوثيقها. إن أستراليا مثلا كانت قد شهدت في فترة زمنية معينة حوالي 250 لغة أصلية ومن المحتمل القريب اندثار 90% منها خلال هذا القرن والحبل على الجرّار إذ لم تتم إجراءات عاجلة وفعالة للحفاظ على بعضها على الأقلّ. ففي هذه القارة بعض اللغات التي لا يتكلمها أكثر من مائة شخص. وتحتل القارة الأمريكية الشمالية المركز الثاني من حيث عددُ اللغات الأصلية المندثرة أو الآيلة إلى الزوال، حيث يقدّر عددها بحوالي 80%. كان لدى الهنود الحمر بأمريكا، على سبيل المثال، أكثر من 175 لغة بقي منها عشرون فقط. ولم يتبق منها في الواقع سوى خمس لغات ويصل عدد ناطقيها إلى عشرة آلاف فقط. أما في كندا فالوضع لا يختلف كثيرا، إذ أنه من ضمن ستين لغة أصلية لم يبق إلا خمس لغات ما زالت حية تُرزق. أما في القارة السوداء فيصل عدد اللغات التي ولّت أربعا وخمسين وعدد التي في إطار خطر الاندثار مائة وستّ عشرة لغة. يلاحظ أن اللغات المهددة بالاندثار تعاني من ضعف في النقل منها وإليها خاصة إذ ما أخذنا بالحسبان أن 40% من المؤلفات المترجمة في العالم هي من اللغة الانجليزية.

غني عن البيان أن هذه الأرقام هي، في واقع الأمر تخمينية، إذ أننا ما زلنا بعيدين عن معرفة حقيقية ودقيقة للغات العالم. في جمهورية پاپوا غينيا الجديدة مثلا، الواقعة شمالي أستراليا والتي استقلت عام 1975 وذات حوالي أربعة ملايين من السكان، يوجد قرابة 800 لغة لا يعرف العالم اللغوي الحديث عنها بصورة تفصيلية أكثر من اثنتي عشرة لغة. أضف إلى ذلك أنه من العُسر بمكان تخمين مدى قابلية لغة معينة على الحياة. ففي العام 1905 كان عدد الناطقين بلغة البريتون في الشمال الغربي من فرنسا حوالي مليون وربع المليون والآن وبعد قرن من الزمان انخفض العدد إلى ربع مليون نتيجة لإحجام الأجيال الجديدة عن ممارسة هذه اللغة. ومن ناحية أخرى نرى أن الوضع اللغوي في آيسلندا أكثر أماناً وغير مرشّح للتغيير الجذري وذلك لأن اللغة تنتقل عبر الأجيال رغم التأثير الأمريكي وهي على ألسنة الجميع حية عفوية.

من الملاحظ أن القسم الأكبر من لغات العالم المعروفة تنهج في بنيتها النحوية هذا النمط: الفاعل فالفعل فالمفعول به مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية الحديثة المكتوبة والمنطوقة: الطالب قرأ كتابا. وفي بعض اللغات الأخرى كاليابانية نظام الجملة العادي هو: الفاعل فالمفعول فالفعل. وفي نسبة ضئيلة من لغات العالم تصل إلى قرابة 10% نجد أن تركيب الجملة العادي هو: الفعل فالمفعول فالفاعل كما هي الحال في بعض اللهجات العربية الحديثة في بعض الأحيان مثل اللهجة الفلسطينية: أكل الأكل موسى. وقد اعتقد في البحث اللغوي المقارن أنه من غير الجائز وجود لغات يكون فيها تركيب الجملة: مفعول به ففاعل ففعل كما هي الحال في لغة الهنود الهكسكَرْبَنا في أدغال الأمازون والقبائل المحيطة بهم فقط. هناك من اللغويين المعاصرين من يعتقد أن موجة الاندثار اللغوي آنف الذكر ستجتاح مجموعة اللغات الأكثر تعقيدا لدى الجنس البشري. أضف إلى ذلك أن هذه اللغات ذات السمات الخاصّة والمعقدة شبيهة باللغة المهنية الدارجة في هندسة الحاسوب وعلم الوراثة. وفي المقابل يمكن القول إن اللغات العالمية كالإنجليزية التي تتحدثها أعداد كبيرة من الناس المنتمين لثقافات مختلفة تتسم بالبساطة واليُسر.

ظاهرة اندثار لغة بشرية ما لا تعني زوال مفردات رائعة وتراكيب وأنماط نحوية فحسب بل وتراث ثقافي معين. إذ أن وراء قبيلة صغيرة هناك تاريخ طويل يمتدّ لآلاف السنين من التكيف للمنطقة التي كانت تعيش فيها من حيث الثروتين الحيوانية والنباتية وكذلك الظواهر الطبيعية. في أستراليا مثلا قبيلة باسم Dyirbal تمكّن أبناؤها في الستينيات من القرن العشرين التعرّف على أسماء ما يزيد عن 600 صنف من النباتات، في حين أن هذه المعرفة قد تبخّرت لدى الجيل الجديد في أواخر القرن المذكور. وإذا قارنّا الوضع في أيامنا لدى أبناء المدن خاصة في الدول العربية فقد لا يعرف الانسان العادي أسماء بعدد أصابع اليدين من النباتات البرية الموجودة في بلاده. والأمر نفسه ينسحب بالنسبة للمواطنين في جزيرة تاهيتي حيث نسوا الكثير الكثير من أسماء الأسماك التي عرفها أجدادُهم.

السؤال الذي يطرح نفسه هو علاقة الثقافة باللغة، هل اندثار اللغة يؤدي في خاتمة المطاف إلى اندثار ثقافتها؟ أهناك ثقافة بدون لغة؟ أليست “الوردة” هي نفسها في أية لغة كانت كما قال شكسبير؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه ليس سهلا، اللغة، أية لغة آدمية، تسعى لتبويب الأشياء وترتيبها وتعريفها وفي كل ثقافة نظام للتصنيف والتبويب للواقع والحياة تعكسها اللغة. في العديد من اللغات البولينيزية في المحيط الهادىء، على سبيل المثال، تصنف الأشياء بناء على أصحابها أو مالكيها إلى مجموعات متغيرة وغير متغيرة أي بين الثابت والمتغير. ففي ولاية هاواي في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، الأرض والوالدان وأعضاء الجسم غير متغيرة في حين أن الأزواج والزوجات والأولاد قابلون للتبديل لتوفر إمكانية الاختيار. وهذا التقسيم الثنائي بين الثابت والمتغيّر يتخلل كافة الأنماط والمستويات وصورة العالم في الثقافة في هاواي. وفي الوقت الراهن الذي فيه لا يعرف الجيل الجديد لغته حق المعرفة نرى أن الناس قد نسوا أية أمور تندرج تحت ”المتغير” وأيها تحت ”الثابت”. ما يبقى في الواقع ما هو إلا ظلال باهتة لتلك اللغة والثقافة في غابر الأيام. وفي اللغة العربية، كما هو معروف، ينقسم العالم إلى قسمين من حيث التذكير والتأنيث )وهناك التخنيث، إذا جاز التعبير( ومن حيث العاقل وغير العاقل في حين أن هذه اللغة تقسّم العدد إلى ثلاثة أقسام، مفرد ومثنى وجمع (وفي الجمع أقسام).

في البداية كانت هناك لغات لا حصر لها وهيمنة اللغة الواحدة تاريخيا هي ظاهرة حديثة العهد. وهناك من يرى أن اندثار اللغات ليس أمرا مقلقا إذ أن انتشار اللغة الإنكليزية مثلا على حساب لغات أخرى أمر مرغوب فيه إذ أنه يتمخّض عنه استمرار العالم. وكلما تزايد عدد اللغات المحكية كلما صعب على الإنسان فهم أخيه الإنسان وغدا العالَم أقل تناسقا وتناغما. وعلى ضوء قصة العهد القديم كان العالم قبل برج بابل واحدا وذا لغة واحدة وبعد ذلك حاول بنو آدم بناء مدينة وبرج رأسه إلى السماء وأغضبوا الخالق بذلك وعليه عاقبهم الربّ قائلا “هلمّ نهبِط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضُهم لغةَ بعض )سفر التكوين 7:11(. بعبارة ثانية، لغات العالم هي نتيجة عقاب الله هذا. ويرى علم اللغة الحديث في النظرية القائلة بأن العالم القديم كان أحاديَّ اللغة بمثابة أسطورة ثقافية، إذ كان المجتمع البشري متعدد الألسن منذ البدء. وفي مقدور العقل البشري وبيُسر السيطرة على أربع لغات أو خمس إذا تعلمها منذ نعومة أظفار الطفل إذ تكون ذاكرته الأقوى في السنوات الثلاث الأولى لحياته.

يبدو أن المكان الأمثل لبحث التعددية اللغوية هو پاپوا غينيا الجديدة Papua-New-Guinea، مِساحتها أقلّ من مساحة فرنسا بقليل وعدد سكانها زهاء الخمسة ملايين إنسان ويتكلمون وفق آخر إحصاء 860 لغة وهي مقسّمة إلى 26 فصيلة لغوية. الأغلبية الساحقة لهذه اللغات جدّ مغمورة إذ أن لـ 80% منها خمسة آلاف ناطق فقط. وفي مثل هذا المحيط متعدد اللغات يتعلّم السكّان الكثير منها وبصورة طبيعية، يتسنّى للطفل سماع خمس أو ستّ لغات وتعلمها شرط أن يكون مصدر كل واحدة منها ثابتا. كما وتلعب اللغات في پاپوا غينيا الجديدة دورا اجتماعيا هامّا فاللغة تعزّز صلة الفرد بقبيلته ومعرفة لغات أخرى تفتح للشخص إمكانيات اقتصادية وعسكرية وشخصية أيضا مثل الزواج. وهكذا لم تنتشر لغة واحدة معينة وبسرعة على حساب لغة أخرى. ويذكر أنه في منطقة ثنائية اللغة تواجدَ على الدوام أناس فضّلوا لغة ما على الأخرى وهكذا نمت وعظمت هذه اللغة المنتقاة واحتلت مكان اللغة الثانية في آخر المشوار. وفي الوقت نفسه تنشأ لغات جديدة عند اندثار مجتمعات معينة ونشوء مجتمعات جديدة. وعليه يبقى عدد اللغات على حاله تقريبا وهذا ما يدعوه اللغويون بـ”التوازن اللغوي” الذي يسود معظم الكرة الأرضية كما هي الحال بالنسبة للتوازن في الطبيعة أيضا. ويذكر أن الجنس البشري في مراحله التاريخية الأولى كان متعدد اللغات، أما الوضع الثقافي المتشابه في أمريكا وإنجلترا حيث يتكلم الناس لغة واحدة فقط فهو من المنظور التاريخي ظاهرة جديدة وشاذّة.

أخيرا قد يكون مفيدا ذكر الإحصائيات اللغوية الآتية. هناك في العالم 7227 لغة موزّعة على النحو التالي: في اسيا 2197، وفي إفريقيا 2058، وفي منطقة المحيط الهادىء 1311، وفي أمريكا 1013، وفي أوروبا 230، أما عدد اللغات الميتة تقريبا الآن حيث عدد المتكلمين بها جد قليل فهي: 55, 37, 157, 161, 8 وفق الترتيب المذكور، أي أن عدد اللغات التي في طور الاندثار والتلاشي هو 418 لغة.

ما مصير اللغة العربية الأدبية في هذه المعمعمة التي كثُر الحديث فيها عن الانقراض اللغوي في الآونة الأخيرة. كانت منظمة اليونيسكو قد أكّدت أن العربية ستكون ضمن اللغات المرشّحة للانقراض خلال هذا القرن. لا شك أن القول الشائع بأن العربية لا يمكن أن تندثر لأنها لغة القرآن الكريم وقد ورد فيه في سورة الحجر إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون يحتمل أكثر من معنى لغويا وتفسيريا.

تاريخيا أمامنا مثل جلي لانقراض لغة محكية مدة سبعة عشر قرنا من الزمان تقريبا بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي لدى المنتمين لتلك اللغة. وهذه اللغة فريدة في نوعها في التاريخ اللغوي إذ أنها عادت قبل زهاء قرن من الزمن ، منذ بداية الثمانينيات من القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة لتظافر عدة ظروف مؤاتية، وغدت لغة محكية حية تدرّس فيها كل المواضيع حتى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنها العبرية الحديثة التي انبثقت من عبرية العهد القديم التي يرجع تاريخها إلى حوالي ثلاثة آلاف عام. المألوف في علم اللغة هو تطور لهجة محكية في ظروف معينة إلى لغة مكتوبة، أما العكس أي إحياء لغة مكتوبة لتصبح محكية فنادر جدا. في هذا السياق من الممكن الإشارة إلى لغة كورنيش بانجلترا التي بعثت من جديد عام 1777 ويقدّر عدد متكلميها اليوم بحوالي ألف شخص وهي بمثابة لغة ثانية عندهم. من هذا المنطلق قد تنقرض اللغة، بمعنى أنها ستغيب عن ألسنة الناس وقد تبقى بأقلامهم أو بالأحرى بحواسيبهم كما هي الحال بالنسبة للعربية الأدبية منذ القدم، وفي الوقت ذاته يبقى الذكرُ كما حصل أيضا في إسبانيا وإيران. ثم يجب التذكير مثلا أن عبرية العهد القديم لا تشمل على أكثر من ثمانية آلاف كلمة وفي غضون المائة عام الماضية دخلت واشتقت في العبرية الحديثة زهاء الخمسة عشر ألف لفظة. وما في القرآن الكريم لا يمثّل إلا أقل من ثلث ما في لغة الضاد من جذور وتراكيب ومعان كما ذكر مؤخرا الشيخ الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية في مؤتمر بالقاهرة. يبدو أن القول الفصل في إمكانية الحفاظ أو عدمه على لغة معينة يرجع إلى أبناء هذه اللغة ودورهم الثقافي والحضاري بين الشعوب الأخرى.

وفي هذا السياق الراهن للغة العربية الأدبية الحديثة هناك عدة عوامل غير مشجعة نذكر منها ما يلي. الحبّ والتقدير للغة العرب لا يتعدى في الغالب الأهم الشفتين؛ العرب، حكومات وشعوبا، مغلوبون على أمرهم، تابعون، والمغلوب شغوف بالاقتداء بالغالب في كل شيء كما قال ابن خلدون إن الأمّة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء؛ العربية لغة رسمية في البلاد العربية شكلا فقط إذ لا وجود لأنظمة أو قوانين لتنفيذ المكتوب، رغم أن أغلب الدول المتقدمة تتدخل سياسيا في مجال اللغة والتخطيط لها؛ هوة الازدواج اللغوي بين الفصحى والعاميات عميقة إذا ما قورنت بالوضع المماثل في اللغات الأخرى؛ الأمية ضاربة أطنابها في العالم العربي والقراءة سلعة نادرة فيه، قيل إن العرب تقرأ بالأذن، معدل ما يقرأه الفرد سنويا في الغرب هو خمسة وثلاثون كتابا وفي إسرائيل مثلا أربعون، أما عند العرب فهناك كتاب واحد مقروء لكل ثمانين فردا! الميل للتحدث بالإنجليزية والفرنسية على حساب العربية؛ أبناء النخبة أو الذوات يدرسون في مدارس أجنبية أو مدارس خاصة ونصيب العربية فتات في أحسن الأحوال؛ زعماء العرب لا يقدمون نموذجا لشعوبهم في هذا المجال؛ ممثلو دول العرب في منظمة الأمم المتحدة لا يستخدمون عادة العربية؛ أين المعجم التاريخي للغة العربية؟ متى يعرّب التدريس الجامعي في البلدان العربية أسوة بالجمهورية السورية؛ مناهج التدريس بحاجة ماسّة للتعديل والتطوير الدائمين تمشيا مع التطورات العلمية الحديثة في العملية التربوية التي في تطور مستديم؛ لا بد من مشروع حقيقي شامل لتبسيط تعليم العربية والتركيز على الجانب الوظيفي فيها والابتعاد عن التقعر؛ افتقار لمفردات العصر؛ ظاهرة شيوع الأخطاء اللغوية الفادحة والفاضحة في الصحافة الإلكترونية خاصة والورقية؛ شأن أستاذ اللغة العربية بحاجة ماسة للدعم معنويا وماديا والإشراف الحقيقي والمتواصل على تأهيله؛ إعلاء شأن أدب الأطفال أمانة مقدسة في أعناق وزارات التربية والتعليم.

أحيانا. قد يتساءل المرء بعد مثل هذا التأمل، أهناك أمة لا تحترم فعلا لغتها مثل العرب؟ الصين وكوريا واليابان وغيرها أمثلة يُحتذى بها بهذا الصدد. حافظت اليابان على تراثها اللغوي رغم إنجازاتها التكنولوجية المميزة ولم تهرول لإعلاء شأن اللغات الأجنبية على حساب اليابانية. العربية في وسائل الإعلام المختلفة ستسمع وتقرأ فهناك بالإضافة إلى الصحف والمجلات على أنواعها العشرات من محطات التلفزة في الدول العربية وخارجها. هناك على سبيل المثال أربع وعشرون محطة عربية فضائية ضمن الثمانين على القمر الأوروبي ومؤخرا سمعنا عن صوت روسيا. في تقديرنا السؤال الأساسي هو ماذا سيكون جوهر اللغة العربية الأدبية في الإعلام في أواخر هذا القرن؟ ماذا ستكون مكانة العربية في العالم بعد نضوب آبار الذهب الأسود في أرض العرب؟ قد يضيف المرء أيضا ما طبيعة المكانة ذاتها في حالة انحسار ما يسمى بالإرهاب الأصولي الإسلامي في العالم أو تفاقمه؟ مثقفو العرب الحقيقيون من شعراء وأدباء سيستمرون في حمل مشعل سلامة اللغة والعمل على تطويرها لا تقديسها وتحنيطها في أجواء ليست سهلة على العموم. إنهم سيستمرون في نفخهم على الجمرة كيلا تنطفىء.

نأمل أن يولي الإنسان العربي عامّة والمغترب خاصة، مثل المقيم هنا في بلاد الشمال النائية موضوعَ اللغة أهمية قصوى، لا سيما كلغة محكية وأن يورثها لفلذات أكباده رغم الصعوبات الجمّة التي تعترضه، خاصة عندما تكون الزوجة أجنبية ولا تعرف العربية بصورة مُرضية. اللغة المحكية هي اللغة الحية، عُنوان الهوية ومرآة الثقافة وعليه فإنها تستحقّ منّا كل جهد ووقت للحفاظ عليها بل والعمل من أجل تطويرها فالوسائل التقنية في عصر العولمة هذه متوفرة وينبغي استغلالها خير استغلال. اللغة، أية لغة ليست أداة للتواصل فحسب، لها دور أساسي في تكوين نظرة الإنسان وفلسفته للكون، إنها وعاء الفكر والوجدان، مخزن تجارب الأمة بأسرها. كل لغة عبارة عن وسيلة فريدة في تحليل العالم وتركيبه، طريقة في بناء الواقع.


معرفة اللغة، أية لغة بشرية حيّة معناها الحديث بها في المقام الأول كابن اللغة تقريبا.

_________________
Mox5500@yahoo.com
avatar
الليبي الصقع
عضو مشارك
عضو مشارك

الجنس : ذكر
البلد : ليبيا
عدد المواضيع : 79
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 26/07/2008
نقاط : 6918

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.mix3.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

انقراض اللغات :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى